تخطى إلى المحتوى

حياتي في التطوع

عادة ما يكون من السهل على الكاتب الكتابة عن موضوع ما بإسهاب وإتقان خصوصاً حينما يتعلق الأمر بأمر يهمه كثيراً أو يشغل حيزاً كبيراً من حياته. ولكني أجد نفسي أصارع أفكاري في الحديث عن أمرٍ مهمٍ جداً بالنسبة لي، ويشغل جزءاً كبيراً من حياتي، ولم أكن أتوقع ذلك أبداً.

عندما أتحدث عن التطوع أجدني محتاراً، لا أعرف من أين أبدأ، وأين سأنتهي. حيث أن التطوع بالنسبة لي منهاج حياة، ومطلب كبير لاستمرارها وربما لا ينتهي إلا بانتهائها. عن التطوع أتحدث، عن أكثر من ثلاثين عاما من المشاركات التطوعية على اختلاف أشكالها وطبيعتها. عن التطوع أتحدث، عن عطاء بلا حدود وبلا قيود وبلا شروط. عن التطوع أتحدث، عن البركة في العمر وفي المال وفي الرزق وفي الأهل وفي الأبناء. بركة يمتد أثرها أبعد مما يتخيل إنسان. عن التطوع أتحدث، عن عطاءٍ يرسم بسمةً في وجهٍ عبوسٍ، ويعد الضحكة لعينٍ تبكي، ويعيد الفرحة لقلبٍ ملأه الحزن. عن عطاءٍ يعين مكلوماً، ويساعد فقيراً، ويصب ذلك كله في إطار كبير وهو بناءُ وطنٍ يغمره روح عاليةٌ ساميةٌ من التكافل الاجتماعي. كل ذلك وغيره فيما يخص المستهدفين من التطوع. أما فيما يخص المتطوِع، فتعجز كلماتي عن وصف مشاعرَ جياشةٍ وفياضةٍ من الراحة النفسية وتمام الرضى والطمأنينة والتسامح مع الذات ومع العالم. تعجز كلماتي عن وصف الخدمة التطوعية وأثرها الذي كنت ومازلت أراه إيجابياً حاضراً، عاجلاً كان أم آجلاً.حياتي في التطوع ابتدأت من الحي الذي كنت أسكنه ومع فتية من جيراني منذ نعومة أظفارنا حيث كنا نقوم بحملات صغيرة نستهدف فيها تنظيف مساجد الحي من حولنا، وحصر العائلات المحتاجة فيه لتقديم المساعدات لهم. وفي المواسم الكبيرة كموسم الحج والعمرة كان للحركة الكشفية في حياتي الأثر الأكبر في خدمة ضيوف الرحمن من المعتمرين والحجاج وبرامج الخدمات المتنوعة في المسجد الحرام وفي المشاعر المقدسة، والتي كانت تمتد إلى شوارع مكة المكرمة وأزقتها وشعابها. أجمل ما فيها إدراكنا أنها لا تصلح أن تكون إلا لله خالصة، لا ننتظر فيها من أحد جزاءً ولا شكورا. تسقط حولها الماديات وتقاس الأمور فيها بمقياسها الحقيقي هو مقياس إخلاص النوايا. أجمل ما فيها بذل النفع والرحمة للخلق وقد قال رسول لله صلى لله عليه وسلم: الخلق عيال لله، وأحبُهم إليه أنفعهم لعياله. أخرجه الطبراني. واليوم في ظل وجود منابر رسمية كثيرة للتطوع والعمل غير الربحي ومن أهمها منبر جمعية إشراق فلقد كان لي الشرف الكبير في المشاركة والظهور ودعم هذا المنبر الذي يخدم فئة مهمة في مجتمعنا السعودي، بل تعدى أثرها خارج حدود البلاد. تلك هي فئة المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لمساعدتها في توجيه طاقاتها وضبط معاييرها لخدمة وطنها والاستفادة من قدراتها المهدرة وتحقيق أهدافها المهددة في ظل اضطراب شتت أفكارها وأهدر أوقاتها.

ختاماً، عندما أفكر في التطوع فدائماً ما أضع نصب عيني قول لله عزوجل: (ومن تطوع خيراً فإن لله شاكرٌ عليمٌ) سورة البقرة. ترفع بعد ذلك الأقلام وينتهي الكلام.

استشاري طب نفسي أطفال ومراهقين

العودة