التطوّع قيمة مجبولة عليها النفوس، فهو سلوكٌ تنشأ عليه القلوب السليمة، ويتربّى عليه الأبناء في البيوت والمدارس. وقد قال تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ}.
وفي وطنٍ يزهو بإنجازاته ويستثمر في طاقات شبابه، جاء دعم المملكة للتطوّع وتطويره ضمن مسارٍ واضح يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 ، التي جعلت العمل التطوعي أحد أعمدتها الرئيسة في بناء مجتمعٍ متكاتفٍ مزدهر.
ولا يخفى أثر هذا الحراك التنموي والاهتمام الوطني، لكنني اليوم أود الحديث عن تجربتي الشخصية مع جمعية إشراق… الجمعية التي حمل اسمها معنى الشمس والنور والبدايات المتجددة فكانت بالنسبة لي إشراقةَ معرفةٍ، وبذرةَ أثرٍ، وضياءً وسّع رؤيتي، ودلّني لآفاقٍ لم أكن أتخيّل الوصول إليها.
أعتز بأنني تطوّعت مع إشراق لما يزيد عن ثماني سنوات، كانت خلالها الجمعية أكثر من مجرد جهة تطوعية؛ كانت بيئة داعمة، ومساحة تعلم، ومنصة تمكين . ووجدت بجمعية إشراق فرصة تطويرية حقيقية تتيح لي أن أرتقي بمعارفي في مجالات التوعية والمجتمع.تعليمًا وتدريبًا محفّزًا يعمّق الفهم ويعزز المهارة ويطوّر الخبرة. وضوحًا في الأدوار والمهام يجعل التطوع عملاً احترافيًا ذا قيمة ومسار واضح. أثرًا ملموسًا يعود على المجتمع وعلى نفسي معًا. استغلالًا أفضل للوقت وفتح أبواب لتجارب جديدة لم أكن لأتعرف عليها لولا الانخراط في العمل التطوعي. اكتشافًا للذات عبر المشاركة والإنجاز والتفاعل المباشر مع المستفيدين والفرق التطوعية.
وتمكينًا للشباب وتمكينًا بالشباب؛ عبر مساحة لصنع القرار، وإدارة المبادرات، وبناء البرامج، في نموذجٍ يبرهن أن الشباب ليسوا فقط مستفيدين من التمكين… بل هم شركاء في صناعته وتعزيزه للآخرين. والأجمل من ذلك كله… أنني تعرفت على ملهمين ومبدعين يحملون ذات الهم ويتنافسون في علو الهمة، ويجتمعون على قيمة واحدة: أن يتركوا أثراً جميلاً ومؤثراً في حياة الآخرين، عسى لله ألا يحرم الجميع جزيل الثواب وعظيم الأجر. إن تمكين الشباب، وتوفير مساحات حقيقية لهم لصناعة أثرهم، هو حجر الأساس في بناء مجتمعٍ نابض بالمسؤولية والعطاء. وقد تعلّمت من تجربتي في إشراق أن التطوع ليس مجرد وقت يُبذل، بل أثر يُزرع، وخبرة تُكتسب، وهوية تُبنى، ونورٌ يبقى. كما أكّدت لي هذه التجربة أهمية تعزيز التطوع العام وتوسيع مفهوم التطوع المحترف (pro bono) الذي يتيح للمتخصصين تقديم خبراتهم بطرق نوعية تدعم القطاع غير الربحي. أتمنى أن تكون تجربة إشراق في التطوع مصدر إلهام لكافة الجمعيات والمبادرات المجتمعية، وأن تستمر ثقافة التمكين والتأثير في الازدهار، خدمةً للوطن والمجتمع والإنسان.
يفنى العباد ولا تفنى صنائعهم
فاختر لنفسك ما يحلو به الأثرُ

د. خالد بن موسى الوسيدي
طبيب الطب الطبيعي والتأهيل