«الشقاوة» ليست طفولية دائماً..!

يشتكي آباء وأمهات غالباً من كثرة حركة أطفالهم في المنازل، ويعتبرونها من الأمور العادية إلا انه سرعان ما يتم اكتشاف إصابتهم بمتلازمة فرط الحركة وتشتت الانتباه حين ينخرطون في الدراسة لتبدأ هنا معاناة المدرسة وطواقمها التعليمية بعد اكتشاف تلك الحالات التي تتطلب تعاملاً خاصاً ودقيقاً وتعاوناً فعالاً من الأهالي.

اكتشاف بالصدفة

علي الحسن وهو أب لطفل يبلغ من العمر 7 سنوات يقول: لاحظت كثرة حركة ابني داخل البيت منذ بداية قدرته على المشي فلا يستطيع البقاء في مكانه فترة طويلة دونما يتحرك أو يقوم ويجري، حتى ان المعاناة أصبحت كبيرة أثناء الجلوس للطعام ويلحظ عليه ضعف الثقة في النفس وحب الإبهار والإثارة، مضيفا انه اكتشف أن ابنه يعاني من فرط الحركة وتشتت الانتباه بعد زيارته لأحد الأطباء وذلك بالصدفة.

وأضاف ان اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يعتبر واحدا من أكثر الاضطرابات العصبية السلوكية انتشارا في مرحلة الطفولة وفي كثير من الأحيان يستمر الى البلوغ، وفي بعض الأحيان قد تختلف الأعراض وشدتها عبر مراحل العمر المختلفة، فقد تتحسن أعراض فرط الحركة عند البالغين، بينما قد تستمر أعراض صعوبة التركيز والتشتت ويظهر على شكل صعوبات في التركيز لفترة طويلة واندفاعية (وهي التصرف بدون تفكير في العواقب)، موضحا ان اعراض الحركة المفرطة عادة ما تؤثر على التحصيل الدراسي والحياة الاجتماعية وغيرها، وهو اضطراب عصبي بيولوجي يصل إلى 15.5% من أطفال المملكة ويتصف بمستوى عال من صعوبة التركيز ونقص الانتباه والاندفاعية وصعوبة التركيز لفترات طويلة من الزمن.

المعاناة في المدرسة

فيما قال أحمد العبدالباقي: معاناتي من كثرة حركة ابني ذي التسع سنوات أصبحت لا تطاق مما اثر عليه في تكوين علاقات اجتماعية مع زملائه داخل العائلة وكذلك في الحي لصعوبة تعامل الآخرين معه بالإضافة إلى المعاناة في مدرسته وانضباطه داخل الفصل وعادة ما تتصل علينا المدرسة للحضور لهذا السبب.

ضعف العلاقات الاجتماعية

من جهته أوضح عيد الشراري أن معاناته تكمن في عدم قدرة ابنه على التركيز، وخاصة في استذكار دروسه فهو كثير الحركة وكثير الاضطراب وتشتت الانتباه عند مذاكرة الدروس وحل الواجبات، حتى انني في بعض الأحيان أرى أنه عاجز عن التعلم كما يلاحظ عليه الفوضى وعدم النظام وضعف العلاقات الاجتماعية مع الأصدقاء والأخوة والأقارب.

بدورها توضح ناهد الجمل أن لدى طفلها ذي الخمس سنوات إصرارا وإلحاحا عجيبا إلى أن ينال الشيء الذي يرغبه كما أنه لا يهتم بمظهره الخارجي ولا بنظافته ويفقد أدواته وأشياءه الخاصة باستمرار.

دور الأسرة

من جهته قال د. حسين الشمراني -استشاري النمو والسلوك بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث-: إن أعراض فرط الحركة والتشتت في الانتباه تبدأ من السنوات الأولى من العمر وتلاحظ بفرط حركة الطفل أكثر ممن هم في مثل عمره من الأطفال، وتشتت في الانتباه، وضعف في التركيز، واندفاعية بحيث يتصرف دون تفكير في عواقب الأمور، وعادة تؤثر هذه الأعراض على تعليم الطفل وحياته الاجتماعية، وهنا ننصح ولي الأمر عند ملاحظة ذلك على طفله بالذهاب لطبيب النمو والسلوك لتشخيص الطفل والبدء في العلاج، مؤكدا أن العلاج يشمل الدوائي والسلوكي والدعم التربوي التعليمي، مع توعية الطفل والأسرة والمدرسة بطبيعة الصعوبات التي لدى الطفل وكيفية التعامل معها، مشيراً إلى أن دور الأسرة كبير في تفهم صعوبات الطفل ومساعدته لا عقابه عند الخطأ والتقصير، بل التفهم والدعم والتشجيع والمكافآت، واستخدام برامج تعديل السلوك والتربية الإيجابية.

العلاج الدوائي

وعن علاج مثل هذه الحالات أشار د. الشمراني الى أن العلاج متوفر وناجح في أغلب الحالات حيث يشمل العلاج الدوائي فهناك عدة أدوية بحسب حالة الطفل، وتحقق نتائج ايجابية جداً، ولابد من استخدام برامج تعديل السلوك في نفس الوقت، واستغلال طاقة الطفل في عمل مفيد كالرياضة واللعب المفيد، وكذلك يحتاج الطفل الى تكرار التعليمات واستخدام الوسائل البصرية والعملية في التعليم، واجلاس الطفل في مقدمة الصف امام المعلم مباشرة، وإعطائه استراحة كل ٢٠ دقيقة، ثم يكمل الدرس وهكذا، كما يحتاج إلى تقليل المشتتات كالأصوات وغيرها عند تدريسه.

وقلل د. الشمراني من تخوف الآباء والأمهات من الأدوية المستخدمة في علاج هذه الحالات مؤكداً أنه تم عليها دراسات كثيرة ومصرح باستخدامها، كما أنها تحت إشراف طبي تعطي نتائج ممتازة وآثارها الجانبية محدودة جداً، فهي تساعد الطفل ليركز وتقل حركته وبالتالي يستفيد من قدراته وذكائه ويتعلم.

تزايد الحالات

وقال استشاري النمو والسلوك بمستشفى الملك فيصل التخصصي ان الدراسات تشير إلى تزايد الحالات، فتقريبا ١٢-١٥ ٪ من الأطفال لديهم هذا الاضطراب، يعني مالا يقل عن ٢٠ الف طالب في السنة الأولى لديهم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وللأسف أغلب المدارس غير مهيأة للتعامل معهم، كما ان هناك قلة وعي بين المعلمين والمجتمع وهو ما يزيد المعاناة حيث لا يحصل من يعاني من فرط حركة وتشتت انتباه لخدمات ودعم كاف سواء من وزارة الصحة او وزارة الشؤون الاجتماعية، مشيراً أن من أهم الدراسات في حالات فرط الحركة وتشتت الانتباه دراسة على 199 من الأطفال المراجعين لعيادة الطب النفسي للأطفال في مستشفى تعليمي، وجد أن نسبة انتشار اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه 12.6%، وكذلك دراسة استبيانية غير مدققة في إحدى مناطق المملكة على 1287 طالباً في المرحلة الابتدائية، أوضحت الدراسة أن نسبة انتشار الاضطراب المركب 16.4%، نقص الانتباه منفرداً 16.5% ، فرط الحركة والاندفاعية 12.3%، بالإضافة إلى دراسة وصفية لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بين طلاب المرحلة الابتدائية في احدى مدن المملكة وقد أظهرت الدراسة على 200 طالب ان نسبة انتشار الاضطراب 13.5%، مع نسبة اكبر بين الطالبات 15% مقارنة بالطلاب الذكور12%.

وأضاف د. الشمراني أن من أهم الدراسات دراسة أجريت على 2770 من طلاب المرحلة الابتدائية في إحدى مناطق المملكة كذلك أوضحت نسبة انتشار اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه 11.6% ، نوع نقص الانتباه منفرداً 6.3% ، ونوع فرط الحركة والاندفاعية 2.2%، والنوع المركب 3.1%، وهي ثلاثة أنواع النوع الأول تشتت الانتباه بشكل أساسي، وفي هذا النوع يهيمن سلوك عدم الانتباه على المصاب بشكل أكبر وهذا النوع نسبته لدى الإناث أعلى منها لدى الذكور، أما النوع الثاني فرط الحركة والاندفاعية بشكل أساسي وفي هذا النوع يهيمن فرط الحركة والاندفاعية بشكل أوضح، ويظهر بشكل أكبر من سلوك تشتت الانتباه وهذا النوع يصيب الذكور بشكل أكبر من الإناث وفي النوع الثالث وهو النوع المشترك (فرط الحركة والاندفاعية وتشتت الانتباه) وفي هذا النوع تهيمن الأعراض الرئيسية الثلاثة بنفس الدرجة على سلوك المصاب.

وعن أسبابها يقول د. الشمراني أن الدراسات تشير إلى وجود خلل في مستوى الناقلات العصبية (الدوبامين والنور أدرينالين) التي تسهل للخلايا تنفيذ عملها والتواصل بين أطراف الدماغ المسؤولة.

الأعراض

وأضاف أن أعراض فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى الأطفال والمراهقين تتمثل في أعراض قلة التركيز وتشتت الانتباه ويندرج تحتها صعوبة في التركيز وإنجاز المهمات وسهولة التشتت بالمؤثرات الخارجية، كالأصوات مما يستدعي الطلب منه التركيز والانتباه لما يطلب منه باستمرار ويضجر المصاب بسهولة بالإضافة إلى كثرة النسيان وخصوصا لأعماله اليومية ويبدو وكأنه في عالم آخر، فمثلا يبدو غير متابع لما يحدث من حوله في الفصل والى أين وصل المعلم في الشرح كما يظهر لديه مشاكل في اتباع التعليمات وأداء الواجبات التي تُطلب منه ولا يتمكن من إنجاز العمل المطلوب منه فهو ينتقل من نشاط لآخر دون إكمال النشاط السابق ولديه صعوبة في التخطيط والتنظيم لأداء المهام المطلوبة منه، وفي إتباع الخطوات اللازمة لذلك كما يظهر عليه الملل من الألعاب التي تستدعي تركيزاً ذهنياً و الميل للألعاب التي لا تستدعي التركيز، ومن أعراض فرط الحركة لدى المريض العبث بيده أو رجله أو يتحرك في المقعد باستمرار ويجد صعوبة في المشاركة أو اللعب مع الأشخاص بهدوء ويجري ويقفز ويتسلق في أماكن غير مناسبة ولا يستطيع أن يجلس في مكان واحد ولفترة طويلة ويتململ ويتلوى أثناء جلوسه في المقعد وقد يترك مقعده، ودائم التحدث مع من حوله داخل الفصل بالإضافة إلى أنه دائم الحركة، وعند زيارة الأصدقاء فالوالدان دائماً مشغولان به فهو يلمس ويخرب كل ما حوله، اما الأعراض الاندفاعية فتتمثل قي صعوبة في انتظار الدور، ويجيب على الأسئلة دون تفكير في الإجابة المناسبة وحتى قبل ان يسمح له ولا يستطيع الانتظار أو تأجيل مهمته ولا يفكر في العواقب لذا يميل إلى أن يكون عديم الخوف فمثلا قد يخوض في النشاطات الجسدية الخطرة دون اعتبار للنتائج أو العواقب ويجد صعوبة في كبت ما يريد قوله.

  

Updated: 14 أكتوبر 2015 by Jeremy Varnham