معاناة طفل مصاب بافتا

د. أسماء عبدالله الخليف

يعاني خالد، البالغ من العمر عشر سنوات والذي يدرس في الصف الرابع، أشد المعاناة وأقساها في المدرسة.. و يتعرض لمضايقات زملائه المتكررة، وانتقاد معلميه اللاذع. يصفونه بالغبي مرة، و بالكسول مرة أخرى.. يتهمونه بالتباطؤ تارة، وبالبلاهة تارة أخرى. يبدو لهم شارد الذهن أحياناً، و ساذجاً أحياناً أخرى.. يستغرق وقتاً طويلاً.. أطول من زملائه.. في حل تمرين بسيط. و يجد صعوبة في التركيز على ما يقوله المعلم، وخاصة حينما يمطر المعلم طلاب الصف بسلسلة من التعليمات والإجراءات التي يجب عليهم إتباعها لحل مسألة رياضية ما، أو إعراب جملة في مادة القواعد.. حينها، يشعر خالد بضياع ما بعده ضياع، و صعوبة في تذكّر حتى بم يبدأ و بم ينتهي.. لينتهي به الأمر والمعلم يوبخه على قلة تركيزه، على إهماله و تقاعسه، على انشغاله بالعبث بأدواته المدرسية بين يديه، ويعاقبه المعلم بأن يطلب منه الوقوف في مكانه ساكناً لبعض الوقت، ثم حل ثلاث مسائل أو إعراب، ثلاث جمل مشابهة لتلك التي أخفق خالد في حلّها أو إعرابها أساساً!! في حين أن جُلّ ما يرغب فيه خالد وقتئذ هو أن يستجيب للرغبة الجامحة في داخله بأن يغادر الصف ولو لدقائق، بأن يمشي قليلا، أو أن يستمر بالعبث بأدواته المدرسية بيديه.

هل يبدو هذا المشهد مألوفا؟؟؟
ما لا يعرفه زملاء خالد و معلموه هو أن خالد مصاب باضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه، و بأن السلوكيات المزعجة التي تظهر لهم في الصف هي بعض مظاهر و أعراض ذلك الاضطراب.
آلاف الحالات من الأولاد والبنات تعاني بصمت في مدارسنا، و في أغلب الأوقات، حتى الطفل نفسه لا يعرف ما علّته، و ما الذي يدفعه لتلك التصرفات التي يجدها الآخرون مزعجة، في حين يراها هو طبيعية، و في أحيان كثيرة لا يعرف حتى والدي الطفل أسباب كون ابنهم أو ابنتهم “مختلفين” عن الأطفال الآخرين.
لاشك أننا جميعا رأينا و مررنا بحالات مشابهة، أثناء حياتنا الدراسية أو العملية.. جميعنا رأى زملاء و زميلات في الصف يبدون “طبيعيين” و “أذكياء” في مواقف عديدة، لا بل و قد يبدعون في بعض الجوانب، إلا أنهم يظهرون أعراضاً، و يقومون بتصرفات قد لا تتوافق مع ذلك الذكاء في مواقف أخرى.. أكاد أجزم أن كل معلم و معلمة قد رأى في فصله حالات طلاب و طالبات تظهر عليهم تلك المظاهر و تنطبق عليهم تلك الأعراض.. حالات فسّروها بالإهمال و التكاسل و العناد أو سوء السلوك بشكل عام.

لقد حان الوضع لتصحيح تلك النظرة!.
حان الوقت لنفهم الوضع بشكل صحيح، و لنساعد أولئك الأطفال على استثمار كل ما لديهم من طاقات بأفضل وسيلة، و على التعامل مع الاضطراب بأفضل طريقة ممكنة، و على معالجة كل ما يطرأ من مشاكل ناجمة عن الاضطراب. كل ذلك ينبغي أن يتم بأسلوب تربوي و وسائل مدروسة و صحيحة تربوياً تكفل الوصول لأفضل النتائج.

الموضوع ليس سهلا.. و لكنه ليس مستحيلا أيضا. و هناك المئات من الأبحاث والدراسات التي تؤكد على جدوى تفهم الاضطراب و علاجه تربويا، من ضمن عدة علاجات و تدخلات أخرى. كل ما نحتاجه هو أن نثقّف أنفسنا قدر الإمكان حول هذا الاضطراب، و أن نتعلم الأساليب التربوية الحديثة لمجابهة آثاره, لأن من شأن ذلك أن يساعد بشكل كبير و فعال على الحد من الأعراض المزعجة التي تعيق عملية التعلم لدى الطلاب و الطالبات. إن التدخل التربوي الذي يهدف لمساعدة الطفل في المدرسة هو ركيزة أساسية تنضم جنباً الى جنب إلى ما يقوم به والدَي الطفل و الأطباء. يهدف التدخل التربوي في المدرسة بشكل عام إلى مساعدة الطفل على الاستفادة بأفضل شكل ممكن، و على مساعدته على التأقلم والتكيف مع ظروف بيئة المدرسة قدر الإمكان، و كذلك على تطويع أو تكييف تلك البيئة بعض الشيء لتصبح صديقة للطفل المصاب باضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه، و حاضنة له، بدلا من أن تكون تلك البيئة غريبة عنه، ومعادية تجاهه، و عاملاً إضافياً يزيد في معاناته.. كل ذلك من أجل أن تؤتي العملية التعليمية أفضل ثمارها.

هل مازال بالإمكان مساعدة خالد؟
نعم،، بكل تأكيد.

كيف؟
هذا ما يحاول هذا الموقع أن يقوم به.. بنشر الوعي.. بالمعرفة.. بالفهم.

  

Updated: 17 نوفمبر 2015 by AFTA Staff